دراسات و مقالات في الذات

الأربعاء، 7 سبتمبر، 2011

الشخصية المضادة للمجتمع:

تعد المعايير الأخلاقية والأجتماعية والشخصية ركنا مهما أساسيا في بناء المجتمعات الحديثة في زمن الحاجات واللهاث خلف أوهام تحقيق الذات ونسج الخيالات والتكوينات عليها بغية أظهارها بصورتها المتوافقة مع متطلبات المجتمع. هناك نمط معين من الشخصيات الإنسانية التي تعيش معنا في المجتمع ونتلخص سلوكها من خلال ما توضحه من سمات، نحاول جاهدين قبولها بعد التشذيب والتحسين، ونلعن الشيطان أحيانا لما يصدر منها من سوء، أو قد نخطئ تفسير ما يصدر عنها أحيانا أخرى، ويبقى هذا تصورا مبدئيا لطبيعة هذه الشخصية التي نشاهدها ونتعايش معها. إنه نمط منحرف من الشخصية أطلق عليه انحرافات الشخصية وهو سلوك خطير لا يتسم بالمسئولية. وتسبب هذه الشخصية من خلال انحرافها معاناة للبيئة التي تعيش فيها ولأسرها. فهي شاذة في تصرفاتها وفي تكوينها، وفي تعاملها مع المحيط الاجتماعي الذي تعيش فيه حتى بات الناس يشكون منها ومما يصدر عنها لقد كثرت الشكوى من هذه الشخصية حتى ضاق الناس من صعوبة التعامل معها وكيفية تجنبها بقدر الإمكان، ولم يسلم منها أحد صغيرا أو كبيرا، امرأة أو رجلا، إذ الجميع عانوا منها ولو بدرجات متفاوتة.
الأسباب والتكوين: يتحدد سلوك الإنسان وشخصيته بمجموعتين من العوامل وأحيانا بأكثر من مجموعتين، ولكن يتفق معظم المهتمين على هاتين المجموعتين، البيولوجية والثقافية الاجتماعية. أما الأولى فهي التي ترتبط بجسم الإنسان وتتضمن عوامل الوراثة أي ما ورثه من والديه وأجداده. إما الثانية فهي الثقافية والتي تتعلق بعلاقة الفرد بالأفراد المحيطين به والوسط الإجتماعي الثقافي الذي ينتمي إليه ويعين فيه، ويضيف البعض الآخر عامل الأسرة والتربية وما يتعلمه من المدرسة وما تتجه له من مواقف تعليمية مقصودة فضلا عما يكتسبه من زملائه في المدرسة أو الشارع. لذا فإن دراسة هذه الشخصية تتميز بمعرفة الإنسان ككل دون اجتزاء، فالنظرة الكلية له تعني معرفة القدرات والمهارات والأستعدادات والميول لتحقيق هذه المعرفة وبالتالي اكتشاف جانب جديد في هذا الكيان الذي كلما اكتشف منه جزء ظلت الأجزاء الأخرى دون اكتشاف ، وتستمر دورة الحياة معه ويستمر الأكتشاف لتحديد العوامل الأكثر تأثيرا: الوراثية البيولوجية أو العوامل الأسرية ويظل الإنسان اللغز الذي لا يتم اكتشافه كليا : فالأسباب التي تشكل نمط الشخصية المضادة للمجتمع يمكن إرجاعها لبعض عوامل التكوين المتاحة على الأقل، وأن ظلت غامضة وغير معروفة تماما رغم البحوث والدراسات.
العامل البيولوجي: وهو يتعلق بالتكوين العضوي للشخص، ومن المحتمل أن يكون موروثا. العامل العائلي: ويتعلق بالتكوين الأسري وبفئة الأسرة عموما وما يكتسب من عوامل نفسية في الطفولة أو المراحل التالية. العامل الاجتماعي والاقتصادي: وهو يتعلق بالحالة البيئية – الاجتماعية أو بالمجتمع الذي نشأ فيه الشخص. العامل البيولوجي: ينشأ هذا العامل لدى البعض اساسا على غلبة العوامل والأسباب الوراثية على تكوين نمط السلوك الشخصي للفرد المضاد للمجتمع والمعادي له من خلال ارتفاع معدل حدوثه في عائلات وأسر دون أخرى . وقد استنتج العاملون في مجال علم الوراثة ارتفاع معدل نشوء هذا النمط في الشخصيات في عائلات معينة تمت ملاحظتها على مدى ثلاثة أجيال. كما دعمت الأسنادات النظرية تأثير جانب البنية الجسمية للشخصية المضادة للمجتمع من خلال غلبة البنية الرياضية العضلية عليها، مما يدلل على ارتباط الجانب الجسمي والإمكانيات الجسمية مع الجانب السلوكي فضلا عن ما يعتري هذا النمط من الشخصية أثناء فترة الطفولة والمراهقة من أعراض في الحركة الدماغية أو على صورة الإفراط أو الحركة الدماغية مما يعكس آثارا بيولوجية في التكوين. إن الدراسات البيولوجية للمكونات الوراثية أعطت دورا مهما في تشكيل هذا النمط من الشخصية لدى الأشخاص الذين يتسمون بالسلوك السيكوباثي. هذا ولا يمكن حصر العامل البيولوجي المنقول بحكم الوراثة وإغفال أهمية العوامل الأخرى المكتسبة أو المتعلمة تربويا أو اجتماعيا، لذا ظلت العوامل الوراثية ناقصة في هذا المجال، رغم وجود اهتمام كبير بالآثار البيولوجية الناتجة عن التهابات عابرة خلال فترة من فترات الحمل أو الولادة خلفت آثارا فعالة على الشخصية لاحقا.
العامل العائلي: ففي هذه الحالة يشب الطفل في الظروف الحياتية حيث يعيش الإنسان ضمن بيئته العائلية وتفاعلاتها ، وتنحصر اهمية الاسباب العائلية عندما ينشأ الطفل في اسرة بها أب يحمل سمات الشخصية المضادة للمجتمع مع إدمان على الخمر أو تعاطي المخدرات ، وفي مثل هذا الحالة يكون الإعداد البيئي قد اظهر مفعوله وهو يؤشر حالة الإنذار التي تحيق بالأبناء. ويرى علماء النفس إن سلوك الإنسان يتكون من المعادلة التالية :
سلوك الإنسان = الاستعداد × الإعداد × الدافعية
= (وراثي) ( بيئي ) ( دافعية الفرد الخاصة )
لذلك نرى إن البيئة التي تتوفر فيها سمات سلوكية تدل على هذا النمط من الشخصية مع الأستعداد الجزئي من الوراثة، فضلا عن وجود الدوافع الكامنة لدى الطفل مع بيئة مهيأة لإعداد هذا النمط، فإنه سوف يشب على هذا التكوين. إن التسيب وتفكك الأسرة أسباب مضافة ومشجعة على نمو السلوك المضاد للمجتمع ، وقيام النوازع الذاتية لدى الفرد ولعامل التعلم من الأسرة والمحيط العائلي دور كبير وفاعل في تكوين هذا السلوك لدى ذلك الشخص السيكوباثي، لذا اعتبرت الأسرة التي تعيش حالة التفكك والأنحلال وكثرة النزاعات بين أفرادها، والتحلل من العلاقات، هي إحدى الأسباب القوية المؤدية إلى نشأة السلوك المضاد للمجتمع. ومن الأسباب التي يتوقع لها تأثير فعال أيضا هي ممارسة القسوة الجسدية أو النفسية على الأبناء، وإحساس الطفل بالخوف أو الرعب الزائد من قبل الأبوين أو القائمين على التربية ، فتبقى الصورة التي ترتسم في مخيلة الطفل عن أسرته، هي القسوة وينشأ عاجزا عن الوصول إلى مستوى النضج السوي في الشخصية. إن معظم العائلات التي تميزت بوجود حالة اضطراب أو تدني عن متوسط حالة السواء في تعاملاتها مع أبنائها أو مع المحيطين من الأقرباء أو الآخرين في المجتمع ، من المحتمل أن ينشأ لدى أبنائها حالة سيكوباثية واحدة على الأقل من بين أفراد العائلة.
العامل الاجتماعي الاقتصادي: إن للمستوى الأقتصادي والإجتماعي دورا مهما في تكوين السلوك السيكوباثي لدى فئة من الناس وخاصة عند المستويات الهابطة وفي المدن والمناطق السكانية المزدحمة ولدى العائلات التي تتميز بكثرة عدد أفرادها مع انخفاض في مستوى المعيشة فإذا ارتفعت المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، انخفضت الشخصيات المضادة للمجتمع، والعكس صحيح. ورغم أن انتشار ظاهرة النمط المضاد للمجتمع لدى الطبقة الوسطى هو بنفس الدرجة التي ينتشر بها بين أبناء الطبقة الفقيرة، إلا إن التخلف الاقتصادي والاجتماعي لا يعد بحد ذاته سببا في ترجيح أثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية في تكوين الشخصية المضادة للمجتمع إنما قد يوجد أسباب أخرى مؤثرة في تكوين تلك الشخصية.
سمات الشخصية المضادة أو المناهضة للمجتمع:إذا كانت الشخصية هي الكيان الذي يضم صفات الفرد العقلية الانفعالية والخبرات الأخرى التي اكتسبها الفرد خلال تنشئته الاجتماعية، فإن الصلة بين الشخصية والثقافة تكون صلة وثيقة جدا، لأن الفرد يولد في مجتمع، والمجتمع له ثقافة حددت سلفا قبل ميلاده، طبقا لمعاييرها، أساليب السلوك المستحسنة وأساليب السلوك المستهجنة، وعلى الفرد لكي يتمتع بعضويته في المجتمع ويحظى بحمايته من خلال انتمائه له، إن يستدخل معايير الثقافة وأن تصبح جزءا من تكوينه ومن شخصيته .
فالشخصية إذن نمط عند الإنسان يكونه من خلال معايشته مع الواقع ، ويتخلق من خلال ذلك الواقع، فالعامل البيولوجي أو العامل الاجتماعي والاقتصادي أو العامل العائلي والتربوي، ما هي إلا مكونات افتراضية تتوقع تكوين نمط الشخصية فضلا عن الثقافة التي يكتسبها الفرد بأعتبارها جزءا من الواقع المعاش. ونحن إزاء سلوك يختلف تماما في مبناه التكويني ومعناه الافتراضي عن الشخصيات التي صنفت على أساس الصحة والمرض فهذا النمط لا يصنف على هذين الأساسين، بل يصنف على أنه انحراف في الشخصية الإنسانية، ويمكن استعراض صفاتها الأساسية كالتالي: تتسم بالعنف غير الطبيعي، أو سلوك خطير لا يتسم بالمسؤولية، تعاني من انحراف السلوك، وتسبب المعاناة لمن حولها في الأسرة والمجتمع، سريع الأندفاع وعديم الشعور أو قليل الشعور بالندامة والإثم، عاجز عن تكوين علاقة دائمة من المودة مع غيره من الناس، أناني لا يعرف أحد سبب أنانيته. وتتوفر فيالسيكوباثي أربع مظاهر: عدم وجود مرض عقلي أو تخلف عقلي، استمرار مدة المعاناة، اتسام السلوك بالعنف والتعدي وعدم المسؤولية، اضطرار المجتمع لاتخاذ إجراء ما لمواجهة هذه الحالة.
ومن الصعب جدا حصر نمط الشخصية المناهضة للمجتمع في صورة سلوكية واحدة أو تصور واحد معين بحد ذاته: فهي تتلون وتتغير تبعا للموقف ولذا لا يمكن تأكيد صورة أو اخرى من الصورة العديدة بشأنها ، حتى أصبحت غامضة في أسبابها وحدودها. وقد تعارف الناس عند وصف صاحب هذا النمط من الشخصية، في تعاملاته الاجتماعية بأنه حلو اللسان قليل الإحسان إما السمات التي يتصف بها السيكوباثي من خلال التشخيص الإكلينيكي فقد اتضح ما يلي: عدم النضج الانفعالي فقدان التبصر، العبئية الأنانية والنشوز الاجتماعي وهذه الصفات هي خروج عن القاعدة الاجتماعية في التعامل والترابط الاجتماعي.بإختصار أمراض الشخصية غير السوية او مرض العداء للمجتمع ، يكون للمريض سجل حافل في الحاق الأذى بالآخرين وحتى الحيوانات الأليفة إضافة لمواصفات أخرى. نوع آخر من أمراض الشخصية غير السوية هو مرض الشخصية المتكلفة أو المصطنعة والتي تتميز بالولع الشديد في جذب انتباه الآخرين منذ بداية سن البلوغ. أيضا من سمات الشخصية الواضحة لدى المصابين بالمرض ما يلي السعي الدؤوب والمتواصل لكسب مديح وثناء الآخرين. الاهتمام المبالغ فيه بأكتساب الجاذبية الجسمية وذلك لجلب اهتمام ومديح الآخرين. الميل والحاجة للإشباع الفوري للرغبات والاحتياجات الشخصية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق